
لم تكن محطة شنقيط في زيارة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني لولاية آدرار مجرد محطة جديدة في جولة ميدانية تشمل مختلف مقاطعات الولاية، وإنما حملت في مضمونها رسالة واضحة حول طبيعة هذه الزيارات والغاية التي تسعى من خلالها السلطات إلى تحقيقها.
ففي حديثه مع سكان مدينة شنقيط، أوضح الرئيس أن الزيارات التي يقوم بها لمدن الولاية تهدف، من بين أمور أخرى، إلى الاطلاع عن قرب على أوضاع المقاطعات، ومعرفة الاختلالات والنواقص الموجودة فيها، والعمل على تصحيحها، إلى جانب التواصل المباشر مع السكان ومناقشة القضايا المحلية والوطنية.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة لأنها تنقل الزيارة الرئاسية من إطارها الاحتفالي والبروتوكولي إلى مساحة أوسع تقوم على الاستماع والمعاينة ومحاولة الوقوف على الواقع كما يعيشه السكان.
فالمسؤول الأول في الدولة حين ينتقل إلى المدن الداخلية، ويجلس مع سكانها ووجهائها وأطرها وفاعليها، لا يستمع فقط إلى ما تحقق من مشاريع، وإنما يفترض أن يستمع أيضاً إلى ما لم يتحقق، وإلى الصعوبات التي لا تظهر دائماً في التقارير الإدارية.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات الجولة الحالية في آدرار.
اختيار شنقيط محطة في الجولة الرئاسية يحمل دلالة خاصة، فالمدينة ليست مجرد عاصمة مقاطعة ضمن التقسيم الإداري للولاية، وإنما واحدة من أبرز المدن التاريخية في البلاد، وترتبط في الذاكرة الموريتانية بتاريخ العلم والمعرفة والمخطوطات والتجارة الصحراوية.
وقد وصل الرئيس إلى شنقيط مساء الثلاثاء 22 سبتمبر، قادماً من وادان، في ثالث محطات جولته بولاية آدرار، بعد أن بدأ زيارته من أطار ثم انتقل إلى وادان، قبل أن يتوجه إلى شنقيط، على أن تكون أوجفت المحطة التالية في اليوم الموالي.
وبذلك تبدو الجولة مصممة على أساس الاقتراب من مختلف مراكز الولاية، بدلاً من الاكتفاء بعاصمتها الجهوية. وهذا التفصيل مهم في حد ذاته، لأن احتياجات أطار ليست بالضرورة هي نفسها احتياجات شنقيط أو وادان أو أوجفت، كما أن طبيعة كل مدينة ومواردها ومشكلاتها تفرض أولويات مختلفة.
ومن هنا فإن التواصل المباشر مع السكان يمنح الزيارة قيمة إضافية، لأنه يسمح بعرض هذه الخصوصيات أمام رئيس الجمهورية مباشرة، بعيداً عن الصورة الموحدة التي قد تقدمها التقارير العامة عن الولاية.
واللافت في خطاب الرئيس بمدن آدرار أن الحديث لم يقتصر على المشاريع المنجزة أو البرامج الحكومية، بل شمل بوضوح مسألة الاختلالات والنواقص.
وهذا الجانب يستحق التوقف عنده، لأن التنمية لا تقاس فقط بعدد المشاريع التي تم إطلاقها، وإنما كذلك بمدى استجابتها للحاجات الفعلية للسكان.
فقد يكون الطريق موجوداً، لكن صيانته تحتاج إلى تدخل مستمر، وقد تصل خدمة معينة إلى مدينة ما لكنها لا تغطي جميع السكان، وقد يتم إنشاء منشأة صحية أو تعليمية بينما تبقى الحاجة قائمة إلى الكادر والتجهيز والموارد البشرية.
لذلك فإن الانتقال من سؤال «ماذا أنجزنا؟» إلى سؤال «ماذا ينقص؟» يمثل تحولاً مهماً في تقييم السياسات العمومية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم تأكيد الرئيس على معرفة الاختلالات من أجل تصحيحها باعتباره دعوة إلى النظر إلى التنمية باعتبارها مساراً مستمراً، لا مجموعة مشاريع تنتهي بمجرد تدشينها.
فالطريق يحتاج إلى صيانة، والمنشأة تحتاج إلى تشغيل، والمشروع الاقتصادي يحتاج إلى بيئة حاضنة، والمدينة التاريخية تحتاج إلى حماية مستمرة، والشباب يحتاج إلى فرص تتيح له البقاء والمساهمة في اقتصاد منطقته.
وتبدو هذه المسألة أكثر وضوحاً في شنقيط، حيث يلتقي التاريخ بالتنمية.
فالمدينة تمتلك رصيداً ثقافياً وحضارياً كبيراً، لكن الحفاظ على هذا الرصيد لا ينبغي أن ينفصل عن تحسين الظروف المعيشية للسكان.
فالتراث يمكن أن يكون رافعة اقتصادية حقيقية إذا ارتبط بالسياحة والخدمات والصناعات التقليدية والأنشطة الثقافية، وإذا استفاد منه السكان المحليون بصورة مباشرة.
ومن هذا المنظور، فإن حماية المدن التاريخية ليست مجرد مسؤولية ثقافية، وإنما يمكن أن تكون جزءاً من سياسة اقتصادية وتنموية أوسع.
وشنقيط، بما تمثله من قيمة رمزية، تحتاج إلى الجمع بين حماية خصوصيتها العمرانية والثقافية وبين توفير الخدمات الأساسية وتحسين ظروف السكان وخلق أنشطة اقتصادية قادرة على استقطاب الزوار وتحريك الدورة الاقتصادية المحلية.
ومن خلال ما طرحه الرئيس خلال محطات الزيارة، يتضح أن ملف البنية التحتية يحتل موقعاً مهماً ضمن التحديات المطروحة، خصوصاً ما يتعلق بالطرق وفك العزلة وربط المدن والمراكز الإدارية.
غير أن التجربة التنموية في مدن الداخل تؤكد أن الطريق، مهما كانت أهميته، لا يمثل نهاية المطاف.
فالطريق يفتح المجال أمام الحركة، لكنه يحتاج إلى نشاط اقتصادي يستفيد منه. والمياه والكهرباء والخدمات الأساسية ضرورية للاستقرار، لكنها تحتاج كذلك إلى فرص عمل ومصادر دخل حتى يتمكن السكان، وخاصة الشباب، من بناء مستقبلهم في مناطقهم.
وقد ركز الرئيس خلال لقائه بأطر ووجهاء وفاعلي وادان على أهمية خلق أنشطة اقتصادية ونسيج إنتاجي قادر على تثبيت السكان في مدن الداخل وتوفير فرص للشباب، مع الدعوة إلى تعزيز استثمارات القطاع الخاص في المناطق الداخلية، وخاصة في مجالات السياحة والأنشطة الاقتصادية.
وهذه النقطة تمثل امتداداً طبيعياً لفكرة «تصحيح النواقص»، لأن التنمية المستدامة لا تعني فقط إيصال الخدمات إلى السكان، وإنما أيضاً خلق الظروف التي تسمح للاقتصاد المحلي بالنمو.
ومن أبرز ما يميز الجولة الحالية أنها تعتمد في محطاتها على لقاءات مفتوحة مع السكان، إلى جانب الاستقبالات الشعبية والأنشطة المبرمجة في كل مقاطعة.
وهذا النوع من التواصل يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في تحديد الأولويات، لأن السكان يعرفون تفاصيل واقعهم اليومي أكثر من أي تقرير إداري.
فالمواطن هو الذي يلمس يومياً صعوبة الطريق، ويعرف مستوى الخدمة الصحية، ويواجه مشكلات الماء والكهرباء، ويبحث عن فرص العمل، ويعرف طبيعة النشاط الاقتصادي في مدينته وما يحتاجه حتى يتطور.
ولهذا فإن الاستماع إلى السكان لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء اللقاء، وإنما يفترض أن يشكل مادة عملية للقطاعات الحكومية والسلطات المحلية عند تحديد البرامج اللاحقة.
وإذا كانت الزيارة مناسبة للاستماع والتشخيص، فإن ما بعدها ينبغي أن يكون مرحلة للمتابعة والتنفيذ.
تنتهي الزيارة الرئاسية في كل مدينة خلال ساعات أو أيام، لكن الملفات التي تطرح خلالها تبقى مفتوحة.
ومن هنا فإن القيمة العملية للجولة لن تتحدد فقط بحجم الحضور الشعبي أو مستوى التنظيم والاستقبال، وإنما بما ستنتجه من قرارات وإجراءات لمعالجة الملفات التي تم طرحها.
وهذه هي النقطة الأكثر أهمية في حديث الرئيس عن «الاختلالات والنواقص».
فالتشخيص خطوة أساسية، لكنه ليس الغاية النهائية. والحديث عن النواقص يكتسب قيمته عندما يتحول إلى قائمة أولويات واضحة، ثم إلى مشاريع وبرامج، ثم إلى متابعة لمدى تنفيذها على أرض الواقع.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الجولة الرئاسية في آدرار باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب عدد من الأولويات التنموية في الولاية، ليس فقط من خلال ما تعرضه الإدارة، وإنما أيضاً من خلال ما يسمعه الرئيس مباشرة من السكان.
بدأت الجولة من أطار يوم الأحد 20 سبتمبر، ثم انتقلت إلى وادان وشنقيط، قبل أن تكون أوجفت محطتها التالية، على أن تختتم محطة آدرار بالتوجه إلى ولاية إينشيري يوم الخميس 24 سبتمبر.
ويعكس هذا البرنامج رغبة في المرور بمختلف مقاطعات الولاية والاستماع إلى سكانها بشكل مباشر، وهو ما يسمح بتكوين صورة أكثر تفصيلاً عن واقع آدرار، لأن الفوارق بين المدن والمناطق لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.
فأطار لها موقعها كعاصمة للولاية ومركز إداري واقتصادي، وشنقيط لها خصوصيتها التاريخية والثقافية، ووادان تجمع بين الخصوصية التراثية ومقومات اقتصادية وسياحية، بينما تطرح أوجفت بدورها جملة من المطالب المرتبطة بالخدمات والبنية التحتية والتنمية المحلية.
وبالتالي، فإن الرسالة الأبرز التي حملتها زيارة شنقيط لا تتمثل فقط في وصول رئيس الجمهورية إلى مدينة تاريخية، وإنما في التأكيد على أن الزيارة الميدانية ينبغي أن تكون مناسبة لرؤية الواقع كما هو، بما فيه من إنجازات ونواقص، والاستماع إلى السكان ثم العمل على معالجة الاختلالات.
وفي نهاية المطاف، فإن نجاح هذا النوع من الزيارات لا يقاس بعدد محطات الجولة ولا بحجم الاستقبالات، وإنما بمدى قدرة المؤسسات على تحويل ما سمعته الدولة في الميدان إلى قرارات ومشاريع وإجراءات ملموسة.
فحين يقول الرئيس إن الغاية من الزيارات هي معرفة الاختلالات والنواقص من أجل تصحيحها، فإن المسؤولية تنتقل عملياً من مرحلة الاستماع إلى مرحلة الفعل.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي: أن تتحول مطالب السكان من حديث في اللقاءات المفتوحة إلى أولويات في البرامج الحكومية، وأن تتحول ملاحظات الرئيس من تشخيص ميداني إلى متابعة إدارية، وأن يرى المواطن في مدينته نتائج ملموسة لما طُرح خلال الزيارة.
فالجولة الرئاسية قد تنتهي بانتقال الرئيس إلى ولاية أخرى، لكن الأسئلة التي طرحت في شنقيط وأطار ووادان وأوجفت ستظل قائمة، والإجابة عنها هي التي ستمنح الزيارة قيمتها التنموية الحقيقية.