
بنشاب – يومان قبل زيارة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، امتلأت طرقات بنشاب بصور الرئيس ولافتات الترحيب، حتى يخيل للزائر من الوهلة الأولى أن المقاطعة تعيش حالة استنفار شعبي وسياسي غير مسبوقة.
لكن خلف هذا المشهد المليء بالصور والشعارات، تبرز صورة أخرى أكثر برودة: لافتات كثيرة، ومنازل مغلقة، وحضور اجتماعي لا يبدو حتى الآن بمستوى المناسبة.
ففي مثل هذه الزيارات، لا يكون الترحيب مجرد كلمات تكتب على القماش، ولا صورة مكبرة تعلق على واجهة مؤسسة. رجال الأعمال والأطر والوجهاء عادة ما يفتحون منازلهم للضيوف، ويتحولون إلى خلايا عمل حقيقية، يتابعون الإقامة والضيافة، ويسدون الثغرات، ويشعرون أن نجاح الزيارة جزء من مسؤوليتهم تجاه مدينتهم وضيفها.
أما في بنشاب، فقد حضر الوجهاء والأعيان ورجال الأعمال والشخصيات الاعتبارية، لكن جزءاً كبيراً من هذا الحضور بدا حتى الآن محصوراً في الصور واللافتات وإعلان المواقف، بينما غابت تلك الروح التي تجعل الترحيب فعلاً اجتماعياً وسياسياً لا مجرد واجهة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً:
هل نحن أمام دعم حقيقي، أم أمام مجرد تسجيل للحضور؟
وهل كل هذه اللافتات تعبر فعلاً عن قناعة راسخة بالنهج الحالي، أم أن بعضها محاولة لتأمين موقع في المشهد الجديد دون التخلي تماماً عن حسابات الماضي؟
فبنشاب ليست مقاطعة عادية في الحسابات السياسية المحلية. إنها مقاطعة ارتبط اسمها بقوة بالعهد السابق، فقد أنشئت في فترة حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، وظلت المدينة تُعرف بوجود شخصيات وفاعلين وقاعدة اجتماعية ارتبطت سياسياً واجتماعياً بذلك العهد.
ومن هنا تحديداً تصبح مظاهر الولاء الحالية محل تساؤل مشروع.
هل انتقلت القناعة السياسية فعلاً، أم انتقلت اللافتات فقط؟
وهل نحن أمام تحول حقيقي في المواقف، أم أمام نوع من الولاء البراغماتي الذي يتغير بتغير موازين السلطة؟
قد يقول قائل إن السياسة مصالح، وإن لكل مرحلة خطابها ورموزها، وإن من حق أي شخص أن يدعم النظام القائم متى اقتنع به. وهذا صحيح من حيث المبدأ.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الدعم إلى مجرد مظاهر شكلية، وعندما تصبح الصورة المعلقة على الجدار بديلاً عن الموقف العملي، وتصبح اللافتة وسيلة لإثبات الولاء أكثر من كونها تعبيراً عن قناعة.
والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض من يرفعون اليوم شعارات الدعم، كان حضورهم السياسي والاجتماعي مرتبطاً بصورة أو بأخرى بالمرحلة السابقة. وهذا لا يعني بالضرورة أنهم لم يغيروا مواقفهم، ولا يعني أن كل دعم جديد مزيف، لكنه يجعل من المشروع طرح سؤال بسيط:
هل تغيرت القناعات فعلاً، أم أن الضرورة السياسية فرضت تغيير اللافتة؟
والأيام وحدها كفيلة بالإجابة.
فالمواقف الحقيقية لا تختبر في اللافتات، وإنما في الأفعال. ولا تُعرف القناعة من حجم الصورة المعلقة، وإنما من مقدار الاستعداد لتحمل المسؤولية والمساهمة في إنجاح الزيارة وخدمة الضيوف والسكان.
وفي هذا السياق، يبرز عمدة بنشاب السيد محمد عبد الله ولد محمدو باعتباره، حتى الآن، الأكثر حضوراً في الميدان والأكثر اندفاعاً في متابعة التحضيرات. فبينما اكتفى البعض بالظهور في الصور، يبدو العمدة منشغلاً بالتفاصيل اليومية، وهو ما يجعل حضوره مختلفاً من حيث طبيعة الدور لا من حيث الشعارات.
إن استقبال رئيس الجمهورية ليس مسابقة في عدد اللافتات، ولا فرصة لتجديد صور الولاء أمام الكاميرات. إنه مناسبة يفترض أن تكشف حقيقة الحضور السياسي والاجتماعي لكل فاعل.
وبالنسبة إلى بنشاب، فإن المسألة أكثر حساسية؛ لأن المدينة تحمل إرثاً سياسياً معروفاً، ولأن بعض أبنائها وفاعليها ارتبطوا خلال السنوات الماضية بعلاقات قوية مع النظام السابق.
لذلك فإن انتقالهم اليوم إلى خطاب التأييد الكامل للنظام الحالي يفرض، شئنا أم أبينا، سؤالاً مشروعاً عن طبيعة هذا التحول ومدى عمقه.
ليس المطلوب من أحد أن يظل أسيراً لموقف سياسي قديم، فالسياسة تتغير والمواقف تتبدل، لكن المطلوب أن يكون الولاء الجديد حقيقياً لا موسمياً، وأن يظهر في العمل لا في القماش المعلق على أعمدة الشوارع.
وإذا كانت بنشاب تريد أن تقول للرئيس إن لها حاضنة شعبية داعمة، فإن أفضل طريقة لإثبات ذلك ليست في مضاعفة عدد الصور، وإنما في فتح الأبواب، واستقبال الضيوف، والمشاركة الفعلية، وتحويل المدينة إلى ورشة حقيقية للترحيب والعمل.
أما أن تكون اللافتات في كل مكان، بينما تغلق بعض البيوت أبوابها أمام ضيوف المناسبة، فذلك يترك انطباعاً يصعب تجاهله:
ربما تغيرت اللافتات أسرع مما تغيرت القناعات.
ويبقى على الأيام والساعات القادمة أن تكشف: هل ما نراه في بنشاب هو ولاء جديد راسخ، أم مجرد إعادة تموضع سياسي تحت ضغط المرحلة؟
فالميدان وحده سيجيب، والزيارة وحدها ستكشف من حضر فعلاً، ومن اكتفى بأن تكون صورته حاضرة.
موفد البوابة
احمد عبد الله



