
بسم الله الرحمن الرحيم
مقال: أبو الأمجاد بن الأمجاد من جوار بيت الله الحرام
((شريان الحياة والروح: كيف يربط طريق "انفني" قلوب القارة؟))
يُقاس ميزان عظمة الدول والزعماء بالبصمات التاريخية التي تتركها وراءها، تلك البصمات الناتجة عن أفعال العظماء الذين عبروا التاريخ ونشروا قيم الحق والعدل، فظل ذكرهم حياً باقياً كأولئك العلماء والفاتحين في مغارب الأرض وفي الأندلس، وكقادة الجزائر العظيمة وعموم القارة الإفريقية؛ رجالٌ سارت الركبان بذكر مآثرهم، وكتب التاريخ سيرهم بماء الذهب لأنهم قرنوا الفضيلة بالعمل، وحماية الأنفس بإعلاء كلمة الله.
ومن هذا المنطلق المعرفي والوجداني، فإننا حين نرقب مسار "طريق انفني" الاستراتيجي (الذي يمتد على طول 57 كيلومتراً ليربط القرية المباركة بطريق الأمل)، لا ننظر إليه بمقياس الهندسة والركام فحسب, بل نراه شرياناً روحياً، ومكرمة إنسانية تهدف في جوهرها إلى إنقاذ البشرية ومناصرة الدعوة إلى الله. إن تشييد هذا الطريق هو إنهاءٌ حقيقي لعقود من عزلة منارة روحيّة أسسها الشيخ محمد مختار ولد داهاه مجاورةً لضريح منبع النور الأول القطب الشيخ محمد الحافظ بن المختار لحبيب (مُدخل الطريقة التجانية لبلاد شنقيط وغرب إفريقيا). وهي منطقة ذاقت الويلات بسبب وعورة مسالكها، وقسوة ظروفها، حيث ضاعت فيها حيوات ناتية، وزهقت فيها أرواح بريئة جراء العطش والوعورة؛ فكان هذا المشروع نداء حياة وإحياء.
إن الأهمية الاستراتيجية لهذا الطريق تتجاوز البُعد المحلي؛ لكونه يرتبط بـ "طريق الأمل" الذي يُمثل عصب الربط القاري، وبذلك سيتحول طريق "انفني" إلى حلقة وصل محورية تربط بين عدة دول شقيقة في المنطقة؛ من الجزائر إلى السنغال ومالي، ومنها ينفتح على جميع الدول الإفريقية عبر شبكات الطرق البرية العابرة للحدود، وخطوط سكك القطارات المستقبلية. هذا الترابط الشبكي العملاق لن يقف عند حدود تيسير حركة المرور، بل سيكون رافعة كبرى ينمو بها الاقتصاد الإقليمي، وتتعزز من خلالها كلمة المجتمع وتلاحمه في إعلاء كلمة الله وصون الفضاء المشترك.
وتتجلى العظمة الحقيقية لهذا الموروث الإيماني في ذلك المشهد المهيب الذي يتكرر سنوياً؛ حيث تتدفق وفود المريدين والزوار من جميع أنحاء العالم، شرقاً وغرباً، من قارة آسيا وأعماق إفريقيا ومن كل فج عميق، ليجتمعوا في صعيد واحد لإحياء ذاكرة هذا الموروث العلمي والثقافي والاجتماعي. هناك، حيث أجمع التاريخ على نبل هذه الحشود وما تحمله من إعلاءٍ لكلمة الله وسموٍ روحي وأخوي، يلتف الجميع في تضامن ومودة، متدثرين بثوب السكينة والوقار والمحبة التي تذوب في حضرتها كل الفوارق.
إن هذا المحفل السنوي يبرهن للعالم أجمع أن أعمال هؤلاء العظام لم تكن مجرد طقوس عابرة، بل كانت وما زالت حصناً منيعاً ومرصاداً مستمراً يقف في وجه أصحاب النوايا الخبيثة والمخططات التي تستهدف الدين والقيم الأخلاقية. لقد وقف هذا الإرث حائط صدٍّ أمام أفكار الهيئات التبشيرية ومناهج الملحدين، وكل من ابتغى غزو الهوية الإسلامية في ظل عولمة جارفة، وهلعٍ مادي وراء جمع المال تغذيه رواسب الفكر الاستعماري. فكانت "انفني" وعلماؤها هم الحراس الأمناء على ثغور العقيدة والفضيلة.
وإننا لنؤكد يقيناً، أن الوعد الصادر عن فخامة الرئيس وعن القيادة الجزائرية العليا خلال الزيارة التاريخية للخليفة العام للطريقة التجانية في العالم، السيد علي بلعرابي التجاني، هو وعدٌ يُحسب في عرف الكبار "ناجزاً وتحقق بمجرد ذكره"، نظراً لعظمة المصدر ونبل المقصد. فالجزائر، بلد المليون ونصف المليون شهيد، التي عُرفت دائماً بنخوتها الأصيلة ووفائها بالعهود، لا تدع الأفكار العظيمة حبيسة الورق. وقد بدا ذلك جلياً في المبادرة السريعة بإيفاد البعثات الفنية المتخصصة وإجراء الدراسات الطوبوغرافية والهندسية اللازمة في الميدان.
لذا، فإننا ومن جوار بيت الله الحرام، نتوجه بهذه الكلمة إلى العظماء من قادة، ووزراء، ومسؤولين, ومثقفين، وإداريين مشرفين على هذا الصرح؛ مستنهضين فيهم تلك الهمم العالية والروابط الأخوية الوثيقة، للإسراع في وتيرة التنفيذ ونقل هذا المشروع الواعد من مرحلة التخطيط والدراسات الفنية إلى واقع التدشين الفعلي على الأرض.
إن تسريع خطوات التعبيد لهذا الطريق ليس مجرد إنجاز تنموي، بل هو سباقٌ مع الزمن لحماية الأرواح المعصومة، وتسهيل التدفق الإيماني لملايين المريدين، وتأكيدٌ على أن أواصر الأخوة الموريتانية الجزائرية والإفريقية هي جسر متين صلب لا تؤخره العوائق. نحن على ثقة بأن همم القائمين على هذا المشروع ستبلغ غايتها سريعاً، ليرى العالم كيف يُترجم "شرف الكلمة" عند القادة العظماء إلى شريان حياة يربط بين القلوب والدول والمجتمعات.
جميع الحقوق الفكرية والأدبية محفوظة للكاتب
كتبه: أبو الأمجاد
#طريق_انفني #الأخوة_الموريتانية_الجزائرية #طريق_الأمل #الربط_القاري #الطريقة_التجانية #الشيخ_محمد_المختار_ولد_داهاه #أبو_الأمجاد