
في زمنٍ تتكاثر فيه التحديات، وتشتد فيه الحاجة إلى نماذج صادقة تعيد للإنسان توازنه الروحي والاجتماعي، تبرز الداعية الإسلامية أم كلثوم باب، الملقبة بـ“أمّ المساكين”، كواحدة من تلك الشخصيات النادرة التي لم تكتفِ بالقول، بل جعلت من فعل الخير منهجًا يوميًا، ومن خدمة كتاب الله رسالة حياة لا تعرف التوقف.
هذا اللقب الذي استقر في وجدان من عرفها، لم يكن مجرد وصف عابر أو مبالغة لفظية، بل هو ترجمة حقيقية لمسار طويل من البذل، والعطاء، والانحياز الصادق للفقراء والمحتاجين. فقد استطاعت “أمّ المساكين” أن تؤسس تجربة متفردة، جمعت فيها بين الدعوة إلى الله، والتأطير التربوي، والعمل الخيري الميداني، في لوحة إنسانية متكاملة قلّ نظيرها.
ومن خلال إشرافها على جمعية” التائبات المحسنات” برزت بصمة هذه الداعية الفاضلة في تحويل العمل الدعوي من خطاب نظري إلى أثر عملي ملموس، حيث لم تعد الدعوة كلمات تُلقى، بل أصبحت سلوكًا يُعاش، ومبادراتٍ تُلامس احتياجات الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.
وفي قلب هذا المشروع، يتلألأ معهد “التائبات المحسنات” لتحفيظ القرآن الكريم، الذي يشكل اليوم منارة علمية وتربوية حقيقية، تحتضن أكثر من 400 طالبة يتلقين تعليمهن القرآني بشكل مجاني بالكامل، في خطوة تعكس روح الإخلاص ونُبل المقصد. وتشرف على هذا الصرح المبارك نخبة من 11 أستاذة، يعملن في تناغم تربوي راقٍ على تحفيظ القرآن الكريم وتجويده، وغرس القيم الإسلامية في نفوس الناشئة، في بيئة يسودها الانضباط والسكينة.
ولم تغفل “أمّ المساكين” عن شمولية الرسالة، فامتد عطاؤها ليشمل معهدًا خاصًا بالأولاد، يتابع فيه أكثر من 120 طالبًا مسارهم في حفظ كتاب الله، تحت إشراف شيخين، في إطار من الجدية والتوجيه الرصين، بما يضمن تخريج جيلٍ متشبع بروح القرآن، قادر على حمل رسالته.
غير أن عظمة هذه التجربة لا تقف عند حدود التحفيظ، بل تتجاوزها إلى بناء الإنسان في كليته، حيث تُنظم داخل هذه المعاهد أيام وليالٍ تربوية، تُعنى بتزكية النفوس، وتعزيز السلوك الإيماني، وترسيخ القيم، في مقاربة تربوية واعية تدرك أن القرآن ليس حفظًا فحسب، بل هو منهج حياة.
وإذا كان القرآن هو الروح التي تُغذي هذا المشروع، فإن العمل الخيري هو الجسد الذي يمنحه حضوره الميداني الواسع. فقد استطاعت جمعية تائبات محسنات، تحت قيادة “أمّ المساكين”، أن تترك أثرًا واضحًا في حياة مئات الأسر، خاصة في الأحياء الهشة، من خلال مبادرات إنسانية مستمرة ومؤثرة.
فقد دأبت الجمعية على تنظيم سقايات شبه يومية لفائدة الأحياء التي تعاني من شح المياه، في مشهد يعكس حسًا إنسانيًا عاليًا واستجابة مباشرة لحاجات الناس الأساسية، حيث ساهمت هذه المبادرات في توفير الماء الشروب لسكان مناطق ظلت لسنوات تعاني العطش.
كما شكلت حملات توزيع الكسوة في الأعياد محطة مضيئة في سجل العطاء، حيث استفاد مئات الأطفال من الأيتام والمحتاجين من كسوة عيد الفطر، في مبادرة أعادت إليهم فرحة العيد، وأدخلت السرور إلى قلوبهم، في تجسيد حي لقيم التكافل والتراحم.
وفي مجال الأمن الغذائي، كان للجمعية حضور لافت، من خلال توزيع آلاف السلال الغذائية في أحياء نواكشوط الشمالية، في عمل منظم استهدف الأسر الأكثر هشاشة، وأسهم في التخفيف من وطأة الظروف المعيشية الصعبة.
ولم تغفل الجمعية جانب الإطعام، حيث واظبت على تنظيم توزيع وجبات العشاء، خاصة في ليالي الجمعة، في تقليد خيري يعكس استمرارية العطاء، ويؤكد أن الإحسان عند “أمّ المساكين” ليس موسميًا، بل هو التزام دائم.
إن المتأمل في هذه المسيرة، يدرك أن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة إيمان عميق، وعزيمة لا تلين، وإخلاص في العمل قلّ نظيره. فقد استطاعت أم كلثوم باب أن تجعل من نفسها رمزًا للعطاء الصامت، وأن ترسخ نموذجًا يُحتذى في الجمع بين خدمة القرآن وخدمة الإنسان.
وبإشرافها الميداني المباشر، ومتابعتها الدقيقة لكل تفاصيل العمل، تواصل “أمّ المساكين” قيادة هذا المشروع بروح الأم الحانية، والقائدة الحكيمة، مؤمنة بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، وأن المجتمع لا يُبنى إلا بسواعد المخلصين.
إنها تجربة تستحق الإشادة، ومسيرة جديرة بالدعم، ونموذج حيّ يؤكد أن المرأة حين تتسلح بالإيمان والعلم والإرادة، قادرة على أن تصنع الفرق، وأن تكتب اسمها في سجل العطاء بحروف من نور.